Breaking

‎هدية رأس السنة للنهضويين.. حساب جديد لتعويضات ضحايا «الاستبداد»...التفاصيل

نُشر بأسبوعية “الشارع المغاربي” في عددها الصادر بتاريخ الثلاثاء 29 ديسمبر 2020 بقلم الصحفية كريمة السعداوي مايلي :

أعلن رئيس الهيئة العامة للمقاومين وشهداء الثورة وجرحاها والعمليات الإرهابية برئاسة الحكومة عبد الرزاق الكيلاني يوم 8 ديسمبر الجاري، أنّه تم تكليفه رسميا بمتابعة استكمال مسار العدالة الانتقالية مؤكّدا أنّ الحكومة تساند مطالب من اعتبرهم ضحايا والتي وصفها بـ»المشروعة»، وبين أن رئيس الحكومة أذن بفتح حساب جديد لـ «صندوق الكرامة» لتوفير 3 مليارات دينار بما يضفي المزيد من العدمية على الخطاب الرسمي في ظل عجز قاتل لميزانية الدولة تساوي نسبته اكثر من ثلثها.

يحدد القانون الأساسي للميزانية لسنة 2004 والتنقيحات التي أدخلت عليه سنة 2019 مفهوم «صناديق الخزينة» أو وفق التسمية الجديدة «حسابات الخزينة» كحسابات خارج الميزانية العامة للدولة يتم إقرارها ضمن قانون المالية لتمويل عدة أنشطة ذات طابع اقتصادي أو اجتماعي أو تنموي على غرار صندوق تحسين السكن وصندوق النهوض بالمسكن لفائدة الأُجراء وصندوق ضمان ضحايا حوادث المرور وصندوق الخدمة الوطنية والصندوق العام للتعويض وصندوق النهوض بالصادرات وصندوق مقاومة التلوث والصندوق الوطني للتضامن الاجتماعي.


ويضبط القانون الأساسي للميزانية الإطار القانوني لحسابات الخزينة والتي يقدر عددها اجمالا بـ 58 حسابا تضاف اليها صناديق غير قارة وظرفية تحدث بموجب قوانين مالية مثل صندوق المواطنة المحدث سنة 2011 والذي أوكلت اليه نفس المهام تقريبا لصندوق 26-26، وصندوق تعويض ضحايا الاستبداد المحدث بموجب قانون المالية لسنة 2017، وصندوق مكافحة الإرهاب المحدث بموجب قانون المالية لسنة 2016، وتمول هذه الصناديق أساسا من مساهمات المهنيين والاجراء في شكل ضرائب أو اقتطاعات جبائية خاصة وأيضا من ميزانية الدولة.


ونظريا، تُموّل معظم هذه الصناديق تدخلات في قطاعات معينة وتُوكل مهمة التصرف فيها الى وزارات أو مؤسسات أو هياكل مختصة بمقتضى اتفاقيات تبرم مع وزير المالية غير ان المعضلة الكبرى القائمة في شأنها وحسب تقييم العديد من الخبراء في المحاسبة العمومية تتمثل في تزايد عددها في ظل غموض ولبس كبيرين يحيطان بإنفاق مواردها المالية وسبل تعبئتها خاصة انها لا تخضع لإجراء التدقيق وتعوزها الشفافية في التصرف في مواردها المالية كما انه نادرا ما يوجد تقييم موضوعي لأنشطتها.


وتقدّر جملة موارد صناديق الخزينة سنويا بمعدل جملي يفوق 800 مليون دينار، علما ان الصناديق تموّل عن طريق موارد جبائية وموارد غير جبائية. وتمثل الموارد الجبائية تقريبا 80% من الموارد وبالتالي فان موارد صندوق الكرامة المخصص لتعويض «ضحايا الاستبداد» هي في الواقع ضرائب يدفعها المواطنون لأشخاص لم يكونوا طرفا بأي شكل من الاشكال في الاستبداد او التنكيل بهم مما يحيل الى اعتبار الامر مهزلة في مجال المالية العمومية بأتم معنى المصطلح، لم تشهد لها تونس من قبل نظيرا فضلا عن تأكيد العديد من المراقبين أن الغموض يكتنف طرق التصرف في أرصدة صندوق الكرامة بالذات الى درجة اعتباره صندوقا أسود بامتياز.

صندوق الكرامة اللغز 

نصّ القانون الأساسي للعدالة الانتقالية الصادر في ديسمبر 2013 في فصله 41 على إحداث صندوق يطلق عليه «صندوق الكرامة» ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد» تضبط طرق تنظيمه وتسييره وتمويله بأمر. وهو صندوق مخصّص لجبر الضرر المادي لضحايا الاستبداد، وذلك وفق البرنامج الشامل لجبر الضرر ورد الاعتبار الموكل اعداده لهيئة الحقيقة والكرامة.

وجرى إصدار الأمر المتعلق بالصندوق المحدد لتركيبته وضبط طرق التصرف فيها بتاريخ 28 فيفري 2018. ونشرت في نهاية نفس العام هيئة الحقيقة والكرامة القرار الإطاري المتعلق بمعايير جبر الضرر لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، الذي يضبط معايير التعويض المادي والمعنوي، وإجراءات رد الاعتبار واسترداد الحقوق وإعادة التأهيل والإدماج وطرق صرف التعويضات.وينص الفصل 4 من هذا القرار على أن التعويض عن الضررين المادي والمعنوي يتم بناء على جسامة انتهاك حقوق الإنسان.

ويضيف الامر أن كل ضحية تتمتع بقسط من مبلغ التعويض كتسبقة. وبالنسبة لكبار السن وذوي الإعاقة يتم صرف المبلغ المتبقي في شكل جراية سنوية. ويقع صرف التعويضات النهائية لبقية الضحايا مرة واحدة أو على أقساط سنوية لا تتجاوز 6 سنوات.

وتتكون موارد «صندوق الكرامة» من نسبة من الأموال الراجعة لميزانية الدولة والمتأتية من تنفيذ القرارات التحكيمية الصادرة عن لجنة التحكيم والمصالحة بهيئة الحقيقة والكرامة، والهبات والتبرعات والعطايا غير المشروطة، وأيضًا من كل المصادر الأخرى التي يمكن رصدها لفائدة الصندوق، وفق ما ينصّ عليه الأمر الحكومي.

ونص الفصل 3 من هذا الأمر على رصد اعتمادات من ميزانية الدولة عند فتح الصندوق في حدود 10 ملايين دينار أي ما نسبته 0.02%من ميزانية الدولة لسنة 2019.

كماعملت رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة سهام بن سدرين على تكريس آلية التحكيم والمصالحة مع رجال الأعمال المتورطين في الفساد المالي، حسب تقدير الهيئة، والذين أبدوا رغبتهم في دفع أموال لفائدة خزينة الدولة مقابل إسقاط التتبعات في حقهم. وأكدت الهيئة، في العديد من المناسبات، ان عدة أطراف سياسية فوّتت على الدولة التونسية أموالًا طائلة للمساهمة في تمويل صندوق الكرامة لجبر الضرر لضحايا الاستبداد.

وتتركب لجنة التصرف في صندوق الكرامة من 8 أعضاء جميعهم ممثلين لهياكل حكومية، إذ يرأس اللجنة ممثل عن رئاسة الحكومة، ويمثل بقية الأعضاء وزارات العدل، والمالية، والتنمية والتعاون الدولي، والشؤون الاجتماعية، والصحة، والوزارة المكلفة بالعلاقة بين الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، إضافة للمكلف العام بنزاعات الدولة .ويتم تعيين الأعضاء بمقرر من رئيس الحكومة بناء على اقتراحات الوزارات والهياكل المعنية. ويمكن لهذه اللجنة طلب معلومات ولها الحق في الاطلاع على الوثائق التي تمكنها من القيام بأعمالها. وترفع تقارير حول نشاطها إلى رئيس الحكومة كل ستة أشهر.

وتُعهد للصندوق مهمة تنفيذ قرارات جبر الضرر التي أصدرتها هيئة الحقيقة والكرامة لفائدة الضحايا التي قدّرت عددهم بنحو 29 ألف ضحية وهم من الإسلاميين بالأساس تعرضوا وفقا للهيئة خلال حقبتي بورقيبة وبن علي إلى انتهاكات لحقوق الإنسان.

غير انه بغضّ النظر عن صرف أكثر من 1080 مليون دينار كـ «تعويضات» لـ «ضحايا الاستبداد» بين 2011 و 2014 لنحو 32 ألف منتفع بالعفو التشريعي العام مباشرة من خزينة الدولة وهم من الإسلاميين بشكل حصري، فان صندوق الكرامة الذي فعّله رئيس الحكومة الحالي يمكن أن يصل بالتعويضات إلى نحو 4 مليارات دينار دون اعتبار تكاليف إعادة تكوين المسار المهني للمطرودين من الوظيفة وغير ذلك من المنح التي صرفت بسخاء طيلة سنوات والتي يصعب اليوم تقدير قيمتها علما ان بعض الخبراء يشيرون الى ان الامر يتعلق بنفقات تفوق 10 مليارات دينار مما يمثل على الأقل 12% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار القارة.

ويعتبر تفعيل الحكومة مؤخرا لأمر تضخ بمقتضاه موارد إضافية لصندوق الكرامة مسألة تكرّس بجلاء خرق قاعدة التخصيص في ما يتعلق بالميزانية وبمعايير شفافية المالية العمومية التي دعا تقرير صندوق النقد الدولي المنجز في نوفمبر 2016 تحت عدد 339 /16 الحكومة التونسية الى التقيد بها. كما يشكّل صندوق الكرامة وحساباته الجديدة التي مثلت هدية اخر العام للنهضويين من مساندي هشام المشيشي خرقا واضحا لمبدأ الانجاز السنوي للميزانيات وملاءمة الموارد للنفقات في سياق الامتثال لمبدأ عدم خلق وحدات مالية خارج ميزانية الدولة.

ولكن يبدو أن الحكومة الحالية وحلفائها من الإسلاميين واتباعهم لا يعيرون اهتماما لمعايير المالية العمومية ولتوصيات صندوق النقد الدولي ومحكمة المحاسبات التي اوصت في تقرير لها سنة 2018 بالتحري في اخلالات صناديق الخزينة بقدر ما يهمهم مزيد الانتفاع بالمال العام كضحايا استبداد يعيدون تكريسه في أحلك صوره منذ تقلدهم حكم تونس في 2011.
المصدر الشارع المغاربي

Post a Comment

أحدث أقدم