Breaking

في ‏تدوينة ‏مؤثرة ‏: ‏فاطمة ‏ترثي ‏والدتها ‏الفقيدة ‏محرزية ‏العبيدي. ‏

هذا مادونتة ابنة الفقيدة محروسة العبيدي على صفحتها الشخصية فايسبوك"ورحلت صاحبة اروع ابتسامة في تونس" هكذا أرثت فاطمة ابنة النائبة في المجلس التأسيسي محرزية العبيدي والدتها.
وكتب فاطمة:

المرأة التي كانت تحتضن الوطن .. وتعطي أبناءه بدون شروط.. 
المرأة الجميلة .. جمال روح وصوت وعمل ..
ذات العزيمة التي لا تقهر .. والشابة على الدوام .. شباب قلب المرأة التي أعطت دون مقابل .. ولم تنتظر يوما شكرا أو عرفانا .. بل كانت تزداد إشعاعا بعد كل إنجاز تغير به حياة البعض.
 
ترحلين اليوم ولكنك لا ترحلين: فيك من الإشعاع ما يضيء طريق كل وطن ساهمت في إعادة بناءه .. بتيسير الحوار بين أبناءه.

روندا، البوسنة والهرسك، بلدان أروبا الشرقية، الصومال، الهند، مصر وآخرها تونس : بلدان تحملت فيها مسؤولية إقامة حوار عادل .. حوار صادق وعميق. 

حدثتني طويلا كيف أن الجلاد يتعذب مثل الضحية .. وأن من يخسر انسانيته فهو الخاسر الأكبر الذي يحتاج مرافقة وتآزرا.. وكان هذا مافعلت بأبناء القباءل المتناحرة في روندا .. حتى قامت الضحية في كل مرة تعانق جلادا تشفق عليه وترى حجم معاناته .. مثلها.علمتني أن الإختلاف ثراء .. وأن كل اختلاف ينمي قاعدة الممكنات ولا يصغرها.

حدثتني عن تلك المرأة الهندية الهندوسية التي عملت معها طويلا وكانت فرصة تعارفكما أن جلستما بجانب بعضكما البعض في مطار دولي وكنتما ترتديان نفس الحذاء الأحمر المميز .. تعارفتما كصديقتين تتلاقيان بعد فراق .. وعملتما طويلا على احلال السلام في العالم .. 


كان لك من المكانة ما يؤهلك الجلوس إلى كبار العالم وقادته : أنت الكاتبة والمترجمة، ابنة دار المعلمين العليا وداعية حوار على مستوى عالمي ومؤسسة لحوار الأديان في أوروبا .. 
أنت من أوائل ركائز إقرار الدستور التونسي بإجماع المجلس الوطني التأسيسي الذي كنت على رأسه كنائب أول لرئيسه وعضو مجلس رئاسة أديان من أجل السلام ومستشارة للمبعوث الأممي للسلام في الشرق الأوسط .. 
أنت كل هذا .. 


لكنك تجلسين للمرأة التي تزورك من العامة وتتجاذبين أطراف الحديث الممتع مع المنظفات وتتحدثين لهجة الشعب ولغته وتلبسين مثله بطبيعية وبدون تفكير .. 
لأنك وأنت كل هذا تبقين تونسية للنخاع .. بكل أحلام وثقافة وفذلكة وطبيعة هذا الشعب الطيب المحب للحياة.

علمتني أن الكتب تحمل آثارنا .. كما تشحننا وتطبعنا .. وكتبت لي في كل كتاب حرصت أن أقرأه .. لتبقى آثارك معي ما بقي الكتاب.

كنت ترجعين من سفرات كثيرة وثرية لتجلسي معي نحتسي عصيرا اوقهوة ونتبادل أطراف حديث عميق وشيق ... 

وفي مثل هذا اليوم من كل سنة كنت تطلين علينا بابتسامتك المشعة .. تحملين الهدايا لابني .. وتشعين ضحكا ونكتا ولعبا .. تضيئين عيد مولده.

لا أعرف الكثيرين ممن تكون لهم صفة نائب رئيس مجلس تأسيسي في بلدانهم .. ويستقبلونني في مقر اعمالهم راجعة من سفر فيه مغامرة وارهاق حققت فيه نجاحا غير مسبوق فتمسك بيدي وتقفز معي وتقهقه ضحكا وتعانقني بغمرة واسعة محتفلة بما رأت أنني أستطيع أن أفعله .. قبل أن أراه.

خططت معي خطواتي وخياراتي وتناقشنا في كل مفترق طريق .. وكنت تنزعين مني الخوف الذي يلازمني في كل خطوة جديدة وتتمتعين بمراقبتي أسير بخطى ثابتة وواسعة نحو ما اريد.. 

صبرت علي فيما يصبر الآباء على أبناءهم .. وغفرت لي ما يقصرون معهم .. وأحببتني أكثر مما فعل الكثيرون ممن يحيطون بي.

فعلت معي ما تفعله الأم .. وليس الاخت او الصديقة أو المؤطرة أو الراعية .. وقد كنت الام والاخت والصديقة والمؤطرة والراعية.
أفقدهن اليوم جميعهن بفقدك.

ترحلين عني .. وأنت تملئين حياتي وبيتي وذكرياتي .. 
وقد سطرت معك طريقي .. ودفنا معا ماضيا أسود من الظلم والقهر وافتتحنا معا طريقا جميلا وجديدا يبني .. ويؤسس للمشترك ولا يعرف حدودا في التأقلم مع ما يطلبه الوطن.

علمتني أن الحياة عطاء 
علمتني أن الحياة جميلة 
علمتني أن الأبناء والأمومة هي ما تجعل كلا منا امرأة كاملة : وكان كمالك بحجم وطن .. فقد كنت أما للكل .. وستبقين .. ما بقي تاريخ هذا البلد يصدقه الرواية.

أحبك .. كما أحببت أما .. 
وأفتقدك كما أفتقد أما .. 
رحمك الله بقدر محبتنا لك .. وبقدر محبتك لهذا العالم التائه الذي زينه حضورك.

ابنتك فاطمة

Post a Comment

أحدث أقدم