Breaking

عن ‏موقع ‏الكتيبة ‏: ‏الحصانة ‏البرلمانية ‏: ‏ملاذ النواب ‏للإفلات ‏من المساءلة ‏القضائية ‏و ‏العقاب. ‏

نقلا عن موقع الكتيبة مقال رائع للصحفي المختص في قضايا مكافحة الفساد وحقوق الإنسان والشأن السياسي وائل ونيفيس: 
إذا كنت نائبا(ة) في البرلمان التونسي فأنت فوق القانون وبامكانك التمسّك بحصانتك البرلمانية للإفلات من المساءلة والعقاب. هذه ليست مجرّد وجهة نظر بل هو واقع ملموس حيث أصبحت الحصانة البرلمانية بعد الثورة مظلّة يتدثّر بها الفارّون من العدالة والذين تحوم حولهم شبهات فساد وتلاحقهم قضايا منشورة أمام القضاء بل إنّها تحوّلت في بعض الأحيان إلى وسيلة لتحقيق منافع شخصية والدّوس على القانون تحت غطاء “نائب شعب”.

نحن السلطة الأصلية في الدولة”، “ستُسافر غصبا عن الجميع والأمر سيُحلّ هنا، جواز سفر “مقمّل” (كلمة تونسية لوصم شيء بالعار)”.. بهذه الكلمات توّجه النائبان بالبرلمان عن حزب ائتلاف الكرامة، سيف الدّين مخلوف ونضال السعودي، إلى أعوان شرطة الحدود والأجانب بعد اقتحامهما المنطقة الممنوعة على غير المسافرين بمطار تونس قرطاج الدّولي قبل أن يلتحق بهما زملاؤهما وعدد من أنصار الحزب.

حدث ذلك في منتصف شهر مارس من هذا العام 2021 على إثر منع مواطنة تونسية من السفر بتعلّة أنها مشمولة بإجراء S17 الحدودي، وهو إجراء إداري أمني مثير للجدل في الأوساط الحقوقية في تونس.

في نفس الشهر، اعتصم النائب عن حزب الرحمة سعيد الجزيري صاحب القناة الإذاعية “القرآن الكريم “، وهي قناة غير مرخص لها بالنشاط، بحصانته البرلمانية للتصدّي لعملية حجز معدّات البث بمقر الإذاعة بحجّة أنّها في محلّ سكناه، ليتعذّر تنفيذ القرار وفقا لما جاء في بيان للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري صدر في 17 مارس 2021.

و في شهر نوفمبر من العام 2020، عمدت عضو مجلس نواب الشعب ورئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، إلى خرق قانون حظر الجولان عند إعلانها بدء اعتصام أمام مقرّ اتحاد علماء المسلمين بشارع خير الدين باشا بقلب العاصمة تونس ليتواصل أياما وأسابيع ويستمرّ معه خرق أنصار الحزب لقانون حظر التجوّل الذي أقرّته الحكومة في إطار سياسة التوقّي من انتشار عدوى فيروس كورونا.

ولم يكن خرق قرار منع التجمهر والمسيرات حكرا على عبير موسي وحزبها، إذ عمدت عدّة تشكيلات سياسية، من بينها ائتلاف الكرامة بقيادة النائب سيف الدّين مخلوف وحزب حركة النهضة بقيادة رئيس البرلمان راشد الغنّوشي للنّزول إلى الشارع ضاربين عرض الحائط بكل الإجراءات الحكومية المتّخذة لمجابهة انتشار فيروس كوفيد-19.


الحكومة التونسية برئاسة هشام المشيشي اكتفت بالفرجة السلبية ولم تسجّل أيّ موقف أو إجراء حاسم إزاء ما يحدث من تجاوزات لوضع حدّ لنزيف هذا الخرق المتكرر . 

وفي شهر نوفمبر من العام 2020، عمدت عضو مجلس نواب الشعب ورئيسة الحزب الدستوري الحرّ، عبير موسي، إلى خرق قانون حظر الجولان عند إعلانها بدء اعتصام أمام مقرّ اتحاد علماء المسلمين بشارع خير الدين باشا بقلب العاصمة تونس ليتواصل أياما وأسابيع ويستمرّ معه خرق أنصار الحزب لقانون حظر التجوّل الذي أقرّته الحكومة في إطار سياسة التوقّي من انتشار عدوى فيروس كورونا.

ولم يكن خرق قرار منع التجمهر والمسيرات حكرا على عبير موسي وحزبها، إذ عمدت عدّة تشكيلات سياسية، من بينها ائتلاف الكرامة بقيادة النائب سيف الدّين مخلوف وحزب حركة النهضة بقيادة رئيس البرلمان راشد الغنّوشي للنّزول إلى الشارع ضاربين عرض الحائط بكل الإجراءات الحكومية المتّخذة لمجابهة انتشار فيروس كوفيد-19.


الحكومة التونسية برئاسة هشام المشيشي اكتفت بالفرجة السلبية ولم تسجّل أيّ موقف أو إجراء حاسم إزاء ما يحدث من تجاوزات لوضع حدّ لنزيف هذا الخرق المتكرر للقانون

ولم يَعُد طيف واسع من النشطاء الحقوقيين والسياسيين يُخفون امتعاضهم ممّا باتوا يصفونه بـ”ازدواجيّة المعايير” أو “سياسة الكيل بمكيالين” حيث لا يسري القانون على الجميع بنفس القدر. فالنيابة العمومية والسلطات الأمنية تتحرّك بسرعة البرق عندما يتعلق الأمر بمواطن عادي أمّا اذا تعلّق الأمر بأحد المتنفّذين أو المسؤولين السياسيين والبرلمانيين فانّها لا تحرّك ساكنا.

ما هي الحصانة البرلمانية؟

تاريخيا، طُرحت الحصانة البرلمانية لأوّل مرّة في إنجلترا عام 1688 في وثيقة قانون الحقوق أو ما يُعرف بوثيقة دستور إنجلترا والتي تمّ التنصيص فيها على أن حرية القول والمناقشات والإجراءات داخل البرلمان لا يمكن أن تكون سببا للملاحقة القضائية أو محلا للمساءلة أمام أي من المحاكم. إقرار هذه الحصانة في إنجلترا كان أساسا لحماية النواب من سلطة الملوك التي كانت سلطة مطلقة.

وقد استثنت الوثيقة، من نطاق هذه الحصانة، قضايا الخيانة العظمى وقضايا الجنايات وقضايا الإخلال بالأمن.


رغم التنصيص عليها بالفصل 27 من دستور 1959، لم تكن الحصانة البرلمانية ذات معنى قبل الثورة في تونس، على اعتبار أنّ نظام الحكم حينها كان يرتكز على الشخص الواحد والحزب الواحد وكل أعضاء مجلس النواب إما ينتمون إلى الحزب الحاكم أو إلى أحزاب كرتونية موالية. وحتى الحالات القليلة التي تم خلالها رفع الحصانة فقد كانت في إطار تصفية حسابات ومحاكمات سياسية ومثال ذلك ما حصل مع النائب عن الحزب الاشتراكي الدستوري والأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل الحبيب عاشور بعد حادثة الباخرة التي تربط بين صفاقس وجزر قرقنة في سنة 1965


غداة قيام الجمهورية الثانية في تونس، جاء دستور جانفي،يناير 2014 بفصلين ينظمان الحصانة البرلمانية وإجراءت التتبع الجزائي ضدّ النواب حيث ينص الأوّل على الإطار الذي يؤسس للحصانة البرلمانية أما الثاني فيتعلّق بإجراءات رفعها.

وهذا النوع من الحصانة يمكن رفعه في أربع حالات، إمّا بموجب تخلّي النائب طواعية عن الاعتصام بالحصانة، أو بموجب قرار من الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب، أو في حالة التلبس، أمّا الحالة الرابعة فتكون بانتهاء المدة النيابية لعضو مجلس نواب الشعب.

على إثر ما جدّ بمطار تونس قرطاج من تعطيل للمرفق العام وما اعتبره طيف واسع من مكونات المجتمع القانوني أنّ الحادثة تعتبر جريمة تلبّس مكتملة الصورة، قال محسن الدالي الناطق الرسمي باسم المحكمة الإبتدائيّة بتونس في تصريح إذاعي إن الحصانة البرلمانية للنواب حالت دون تطبيق القانون عليهم.


وضعية جديدة لحالة تلبس بجريمة طالت هذه المرّة النائب المستقل راشد الخياري، بعد أن أصدرت المحكمة العسكرية بطاقة جلب في حقه بتهم تتعلّق بـ “القيام بما من شأنه أن يضعف في الجيش روح النظام العسكري والطاعة للرؤساء أو الاحترام الواجب لهم وانتقاد أعمال القيادة العامة أو المسؤولين عن أعمال الجيش بصورة تمس من كرامتهم وتعمد المشاركة في عمل يرمي إلى تحطيم معنويات الجيش أو الأمة بقصد الإضرار بالدفاع الوطني والتآمر على أمن الدولة الداخلي المقصود منه تبديل هيئة الدولة أو حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضا بالسلاح وربط إتصالات مع أعوان دولة أجنبية الغرض منها الإضرار بحالة البلاد التونسية من الناحية العسكرية” وفقا لما جاء في نص البطاقة.


على إثر نشره لفيديو اتهم فيه رئيس الجمهورية قيس سعيد بالتخابر مع جهات أجنبية وتلقّي أموال منها خلال حملته الإنتخابية، لم يلبِّ النائب راشد الخياري دعوة القضاء العسكري للمثول أمامه للإدلاء بما له من معطيات حول المزاعم التي تحدث عنها.

واعتبر القضاء العسكري أنّ النائب راشد الخياري في “حالة تلبس بجريمة” ما اقتضى معه إصدار بطاقة الجلب. وبحسب الفصل 69 من الدستور التونسي في فقرته الثانية لا يتم إعلام المجلس إلا بعد إيقاف النائب المعني وليس بمجرد إصدار بطاقة الجلب وهو ما أكّده وزير الدفاع لرئيس مجلس نواب الشعب، ليُفسح المجال فيما بعد لمكتب المجلس للتقرير في إنهاء الإيقاف من عدمه.

من المهم في نفس السياق أن نشير أيضا إلى أنّ النائب ذاته راشد الخياري سبق أن فتحت النيابة العمومية بقطب مكافحة الإرهاب تحقيقا في علاقة به بتهمة تمجيد الإرهاب والإشادة به في أعقاب جريمة قطع رأس مدرس فرنسي قرب العاصمة الفرنسية باريس خلال شهر أكتوبر من السنة الماضية. تحقيق دفن كغيره من التحقيقات والقضايا التي فتحت بخصوص شبهة ارتكاب جرائم من قبل نواب بالبرلمان.

رفع الحصانة .. ورقة للابتزاز السياسي

سفيان طوبال النائب عن حزب نداء تونس سابقا وقلب تونس حاليا، والذي تلاحقه عدّة شبهات فساد مالي وإداري واستغلال نفوذ، كان قد صرّح في وقت سابق أنّ استدعائه للمثول أمام القطب القضائي المالي والاقتصادي يتعلق بقضية رشوة وليس بفساد مالي كما يروج له البعض، على حدّ قوله.

 

ملفات النائب سفيان طوبال لا تتعلّق فقط بشبهات ارتشاء واستغلال صفة، إنما تجاوزت ذلك لقضايا أخرى منها شبهات التدخل لانتداب مقرّبين منه في الوظيفة العمومية، وتلقيه أموالا من رجال أعمال من بينهم شفيق الجراية الموقوف حاليا على ذمة قضايا فساد مالي، كما وردت في شأنه سبع طلبات رفع حصانة مرّة واحدة وصلت البرلمان في قضايا مختلفة بدأ التحقيق فيها منذ المدّة النيابية السابقة ( 2014-2019).

وأمام اعتصام النائب بحصانته لم يتسنّ للقضاء مواصلة التحقيق معه في هذه الملفات، لتظلّ تُراوح مكانها بعد تمكّن سفيان طوبال من الفوز بمقعد نيابي جديد لكن هذه المرّة عن حزب قلب تونس الحليف الأوّل لحركة النهضة التي يترأس زعيمها راشد الغنوشي مجلس نواب الشعب. 


رغم الجهد الذي بذلناه في التقصّي عن النواب المشمولين بطلبات رفع حصانة وحصولنا على كمّية من المعلومات في هذا الصدد، إلاّ أنّ جدل الأرقام وتشعّب الإجراءات حال دون أن نتمكن من معرفة العدد الحقيقي لهؤلاء النواب المشمولين بقضايا جزائية خلال المدة النيابية الحالية .

في شهر فيفري الفارط، صرّح النائب عن الكتلة الديمقراطية نبيل الحجي أنّ عدد المطالب الواردة على مكتب مجلس نواب الشعب والمتعلقة برفع الحصانة عن نواب بلغت 17 مطلبا تهمّ المدّة النيابية السابقة (2014-2019) ومطلب وحيد في المدّة الحالية. بقيت مسألة التعرّف على هويات النواب المحالين على أنظار رئيس المجلس للنظر في رفع الحصانة من عدمه موضع جدل، وصل حدّ التظلّم لدى هيئة النفاذ إلى المعلومة في قضية نشرت أمامها من طرف النائب نبيل الحجي قصد إنصافه للحصول على هوية هؤلاء النواب، بعد أن اصطدم بردّ من رئاسة المجلس تعلمه فيه أنّ ما يطلبه يتعلّق بمعطيات شخصية لا يمكن كشفها.

في وقت سابق، وبالتحديد في شهر ماي من سنة 2019، صرّح وزير العدل محمد كريم الجموسي آنذاك خلال حضوره في جلسة حوار بلجنة النظام الداخلي والحصانة البرلمانية، أنّ عدد الملفات التي لديهم والمتعلقة برفع الحصانة عن نواب بلغت 25 ملفا (5 طلبات تمّ الاستجابة لها بالتخلي طوعا عن الحصانة و7 مطالب تهم نائبا وحيدا اعتصم بحصانته وبقية المطالب تهم عشرة نواب).


من فار من العدالة إلى نائب شعب

يبرز ذلك في تجربة غازي القروي شقيق نبيل القروي المتعلّقة بهما قضية تهرّب ضريبي وتبييض للأموال، حيث تشير مصادرنا القضائية الجديرة بالثقة إلى أنّ النائب بمجلس نواب الشعب اعتصم كتابيا بحصانته البرلمانية. كما أنّ رئاسة مجلس نواب الشعب تفصّت من القيام بدورها في هذا الملف بعد أن راسلتها الجهات القضائية لرفع الحصانة عن النائب المعني، ما حال دون استكمال التحقيق معه في حين تواصلت مع شقيقه المرشح السابق لرئاسة الجمهورية نبيل القروي والذي رفض القضاء الإفراج عنه حتى بكفالة مالية.

البحث عن الحصانة ووقف التتبعات ضدّهم، هكذا اختار عدد من الأشخاص الذين ترشحوا للانتخابات التشريعية في شهر سبتمبر من سنة 2019 طريقهم للهروب من التحقيقات الجارية في حقهم، خاصة أنّ الإجراءات التي تمّ وضعها بالنظام الداخلي تضفي طمأنينة لهؤلاء الأشخاص لصعوبة كي لا نقول استحالة رفع الحصانة عنهم عندما يصبحون نوابا.


من بين هؤلاء الأشخاص الذي مكنهم القانون الإنتخابي من الترشح والفوز بمقعد نيابي نجد، ماهر زيد النائب عن كتلة ائتلاف الكرامة الذي أصدرت الدّائرة الجنائية الأولى بالمحكمة الإبتدائية بتونس في 20 جانفي/يناير من سنة 2017 حكما يقضي بسجنه 4 سنوات من أجل اختلاس أوراق مودعة بكتابة المحكمة. حصل الأمر ذاته مع المحامي سيف الدين مخلوف المتعلّقة به قضية الاعتداء على موظف عمومي بعد تهديده وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بسيدي بوزيد في ما بات يعرف بقضية “مدرسة الرقاب” والتي انتهت بصدور حكم ابتدائي يقضي بسجن سيف الدين مخلوف سنة و8 أشهر. حكمٌ كان قد صدر بعد فوز المعني بمقعد نيابي وتحصنه بالحصانة البرلمانية والطعن فيه باستئناف الحكم في قضية لم يتم تعيين موعدها إلى اليوم.

لم يشهد أي طلب من طلبات رفع الحصانة مسا بجوهر مؤسسة الحصانة البرلمانية، حيث أن جميع المطالب التي تقدّمت بها الجهات القضائية لا تتعلق لا من قريب و لا من بعيد بمهام النائب التشريعية أو بمسائل تهم آراء النواب ومناقشاتهم.


ويوجد من بين النواب المطلوبين لدى الجهات القضائية لرفع الحصانة عنهم عدد من الذين تخلوا عن حصانتهم بشكل طوعي وعددهم لم يتجاوز الـ5، على غرار النائب كلثوم بدر الدين التي تعلّقت بها مخالفة مرورية، كانت قد تخلت عن حصانتها سنة 2016 للمثول أمام القضاء بشكل عادي في تلك القضية.

الاستثناء الوحيد في مطالب رفع الحصانة، تعلّق بالنائب عن الكتلة الوطنية والمنشقة عن كتلة قلب تونس رضا شرف الدين، الذي كتب على صفحته الرسمية على فيسبوك بتاريخ 11 مارس/آذار أنّه تخلى عن حصانته البرلمانية ومثَل أمام قاضي التحقيق ليتم على إثر ذلك عرضه على القيس (إجراء قضائي يتمّ اتّخاذه اذا توفّرت أدلة قوية حول الجريمة المرتكبة).

المصدر : موقع الكتيبة

Post a Comment

أحدث أقدم