قيس سعيّد لن يعلّق الدستور.. وسيمدّد الإجراءات الاستثنائيّة.. وقد يعلن عن حكومته الجديدة قبل نهاية المدّة الأولى غدا.. ‏(التفاصيل ‏كاملة) ‏

قيس سعيّد لن يعلّق الدستور.. وسيمدّد الإجراءات الاستثنائيّة.. وقد يعلن عن حكومته الجديدة قبل نهاية المدّة الأولى غدا.. هذا نشره الصحفي وصاحب جريدة العين عبد اللطيف دربالة على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك: 


يعتقد البعض بأنّ الرئيس قيس سعيّد سيعلن تعليق الدستور..

لكنّنا نعتقد بأنّ قيس سعيّد وإن كان من شبه المؤكّد أنّه سيمدّد الإجراءات الاستثنائيّة بمقتضى الفصل 80 الذي يزعم تطبيقه من الدستور.. فإنّ الأرجح أن يتمّ ذلك مبدئيّا لمدّة شهر جديد واحد.. مع نيّة التجديد مستقبلا..
وأنّه في المقابل لن يعلن عن تعليق الدستور أو وقف العمل به..
ليس الآن على الأقلّ..



سرديّة الرئيس سعيّد منذ إعلانه الإجراءات الاستثنائيّة على أساس الفصل 80 من الدستور ليلة 25 جويلية 2021.. تقوم على أنّه ينفّذ أحكام الدستور.. وأنّه يحترمه ويعمل في إطاره.. وأنّه لم ينقلب على الدستور.. وأنّه ليس إنقلابيّا..
وقد حرص قيس سعيّد طيلة هذا الشهر.. وفي مناسبات عديدة.. بإلحاح.. وبحماسة.. وتقريبا كلّ يوم.. في خطبه وكلماته المختلفة.. مع أطراف تونسيّة.. أو لزوّاره والمتصّلين به من المسؤولين الدوليّين.. حرص بإصرار على أن يبرّر إجراءاته الاستثنائيّة يوم 25 جويلية بكونها دستوريّة.. وتكتسي الشرعيّة القانونيّة..


لذا فسعيّد يريد بوضوح بأن يبقى شكليّا في إطار الدستور.. ولن يذهب على الأغلب إلى إعلان صريح بتعليق الدستور أو وقف العمل به.. لأنّ ذلك سيؤلّب عليه الرأي العام الداخلي والخارجي.. في حين أنّ الواضح أنّه يتعرّض لبعض الضغوط من قوى داخليّة وأجنبيّة لكي لا يذهب قدما في وقف المسار الديمقراطي وإدخال البلاد بمفرده في مرحلة جديدة خارج الدستور.. قد تحرج حتّى الدول الأجنبيّة التي أعطته ضوء أخضر للتحرّك أو سكتت عنه أو تعاملت مع إنقلابه على الدستور بفتور.. لأنّه سيظهرها والحالة تلك بأنّها سكتت عن إنقلاب صارخ على الشرعيّة الدستوريّة في تونس..



الأصل أنّ قيس سعيّد ليس في حاجة إلى إعلان صريح ورسميّ بتعليق الدستور ووقف العمل به.. لكونه قام بذلك فعليّا دون إعلانه صراحة.. فمن باب حقّه المزعوم في اتّخاذ إجراءات استثنائيّة على معنى الفصل 80 من الدستور.. يقوم قيس سعيّد يوميّا بأعمال وقرارات تخرق صراحة عديد أحكام الدستور وتناقضها..


لذا فليس من مصلحته بأن يدفع ثمن موقف سياسيّ حرج بإعلان وقف العمل بالدستور.. والحال أنّه يستفيد من ذلك "مجّانا" اليوم مادام يزعم بأنّه لا يزال يعمل في نطاق الدستور..
-

إنّها تقريبا نفس المقاربة السابقة لزين العابدين بن علي.. فعندما انقلب على رئيس الجمهوريّة الأسبق الحبيب بورقيبة فجر 7 نوفمبر 1987.. حرص على إكساء إنقلابه بالصيغة الدستوريّة على أساس أنّه يقوم على الفصل 59 من الدستور التونسي حينها.. والذي يعطي للوزير الأوّل حقّ رئاسة الدولة وقتيّا في حالة حصول شغور بمنصب رئيس الجمهوريّة.. واعتمد بن علي حينئذ على تقرير طبّي منجز من مجموعة من الأطبّاء يصرّح بأنّ الرئيس بورقيبة أصبح غير قادر على القيام بمهامه كرئيس للجمهوريّة..


لكنّ خبراء القانون الدستوري كانوا يعتبرون من الناحية القانونيّة.. أنّه ولئن كان الدستور يتحدّث عن حالة الشغور بمنصب رئيس الجمهوريّة فإنّ اعتبار المرض سببا للشغور في منصب الرئيس والحال أنّه لا يزال قادرا على الحركة والتفكير وإصدار الأوامر.. قد لا يقوم على أسس صحيحة.. كما أنّ الدستور لم يعط في المقابل بتاتا للوزير الأوّل ولا لأطبّاء ولا لأيّ جهة معيّنة في الدولة سلطة معاينة العجز الصحّي لرئيس الجمهوريّة.. أو تقييم مداركه العقليّة والبدنيّة..  وترتيب الآثار الدستوريّة عن ذلك..


أيّا كان الأمر.. فإنّ سرديّة نظام بن عليّ قامت دائما على اعتبار أنّه قام بتغيير دستوريّ وليس إنقلابا.. وساعد ذلك الدول الغربيّة على قبول ذلك الانقلاب السياسي الناعم المغلّف بالدستور.. والتعامل مع نظام بن علي دون إحراج..
وللتذكير أيضا فإنّ الكثير من فئات الشعب التونسي خرجت تلقائيّا للشارع يوم 7 نوفمبر 1987.. وفرحت بانقلاب بن علي.. وكان دافعها في ذلك حالة التردّي السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي التي سادت طيلة السنوات الأخيرة من حكم بورقيبة.. حيث غلب صراع الأجنحة في الحكم.. وغليان الشعب.. والمظاهرات والاحتجاجات بالشوارع والجامعات.. وتردّي الأوضاع المعاشيّة.. وإفلاس الدولة ماليّا..


وانتعشت البلاد نسبيّا طيلة العامين الأوّلين.. وعرفت تونس حريّة في الإعلام والرأي والفكر والتعبير والنشاط السياسي والحزبي الحرّ لم تعرفها في تاريخها.. وذلك في الفترة ما بين 1987 إلى 1989.. قبل أن تسقط البلاد شيئا فشيئا في القبضة الحديدية لزين العابدين بن علي الذي أحكم السيطرة تماما على دواليب الدولة بينما كان الناس في حالة نشوة واعتقدوا بأنّ الحريّات أبديّة.. وأنّ الرئيس بن علي أظهر نفسا ديمقراطيّا وانفتاحا لن يتراجع فيه.. إلى أن كتم أنفاس الجميع.. وطارد كلّ رأي أو فكر أو نشاط معارض.. وكرّس نظاما أكثر تعاسة وتشدّدا وقمعا من نظام بورقيبة..
-

نظريّا تنتهي الفترة الدستوريّة للحالة الاستثنائيّة طبق الفصل 80 من الدستور منتصف ليل يوم غد الثلاثاء 24 أوت 2021..


ومن المرجّح أن يعلن رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد تمديدها.. وقد مهّد لذلك بالتنصيص على أنّ المدّة قابلة للتجديد يوم نشر القرار بالرائد الرسمي للجمهوريّة التونسيّة.. 
يعني ذلك استمرار تجميد البرلمان.. 


واستمرار إمساك قيس سعيّد نفسه بكلّ دواليب الدولة..
وسيطرته المطلقة على السلطتين التنفيذيّة والتشريعيّة..
واستمرار تطبيق قانون الطوارئ بكلّ إجراءاته التعسفيّة..
-

من الممكن أيضا أن يقوم قيس سعيّد بمناسبة قراره تمديد الإجراءات الاستثنائيّة بالإعلان عن رئيس الحكومة الجديد.. أو ربّما الإعلان عن كامل تشكيلة الحكومة الجديدة..
وتفيد آخر الأخبار بوجود تردّد لدى الرئيس سعيّد بين تعيين رئيس حكومة من محيطه الضيّق يدين له بالولاء التامّ.. باعتباره شخصا موثوقا وفي نفس التوجّه الذي يسير فيه.. وبين تعيين شخصيّة ذات كفاءة اقتصاديّة وماليّة خاصّة.. وهو الخيار الذي تدعمه الكثير من الدول الأجنبيّة بشدّة وتضغط على قيس سعيّد لأجله.. كشرط لمساعدة تونس على مواجهة مشاكلها الاقتصاديّة والماليّة والصحيّة الحادّة في هذه الفترة..
-

في الاثناء سيواصل الرئيس سعيّد العمل على تحقيق هدفه الأعلى وهو تغيير النظام السياسي برمتّه رأسا على عقب.. بتكريس نظام رئاسيّ بسلطات شبه كاملة للرئيس.. مقابل إضعاف البرلمان وجعله سلطة ثانويّة بدور يكاد يكون شكليّا كما كان عليه الحال في عهدي بورقيبة وبن علي.. وبطريقة تساهم أيضا في إضعاف الأحزاب السياسيّة حتّى محاولة تفتيتها..


 ولأجل ذلك يقوم الرئيس سعيّد اليوم بتحضير أقوى أداة لديه في ذلك.. وهي حشد الدعم الشعبيّ الكامل لخطواته المقبلة التي يسعى إلى أن تنتهي بقبول برنامجه السياسي الجديد عبر استفتاء شعبيّ في لحظة مزاجيّة وانفعاليّة وفي أوجّ الزخم الشعبي المناصر له والمهيّئ لقبول كلّ شيء من "الزعيم" حسب اعتقاد قيس سعيّد..


لتحقيق ذلك يحرص الرئيس سعيّد على التمادي في تصعيد خطابه القويّ.. لرفع الزخم الشعبي حوله من يوم إلى آخر عبر كلمات وخطابات وأعمال وقرارات حماسيّة وناريّة.. ووعود شعبويّة في جانب كبير منها.. تلهب خيال وحماس عامّة الشعب.. عن تطهير البلاد ومحاسبة جميع الفاسدين.. والقضاء على الفقر والبطالة.. وتخفيض الأسعار ومحاربة المحتكرين.. وملأ خزائن الدولة من الأموال المنهوبة بالخارج وعبر الصلح مع رجال الأعمال وفق قانون للمصالحة.. وملأ جيوب البسطاء من أموال الفاسدين التي نهبوها من الشعب.. وبقيّة الشعارات التي يرفعها كلّ يوم.. والتي يدرك هو نفسه بالتأكيد على أنّها لن تتحقّق أبدا على النحو الذي يزعمه..!!!

إرسال تعليق

أحدث أقدم