النائب المجمد عبد اللطيف العلوي يكتب : "من أين نبدأ في مقاومة الفساد؟ هكذا علّمني أبي... ‏

النائب المجمد عبد اللطيف العلوي يكتب : "من أين نبدأ في مقاومة الفساد؟ هكذا علّمني أبي... 
ـــــــــــــــــــــ
لا أعرف إن كنت قد أدركت حينها بيقين أنّها قطعة نقديّة جديدة بيضاء، فأنا لم تمسك يداي يوما سوى قطع صفراء زهيدة، ، عشرات وعشرينات وربّما في أحسن الأحوال خمسينات، أمّا القطع البيضاء مثل الفرنك والدّورو، فلم تكن يوما بهذا الحجم والسّمك والثّقل والجدّة واللّمعان. لا شكّ أنّها ثروة عظيمة! هذا هو الدّينار إذن!


كان عمري بين السّادسة والسّابعة على ما أذكر، وكنت في ضيافة مطوّلة في بيت خالتي تستمرّ أيّاما كما جرت العادة في العطل، ووجدت تلك القطعة في صحن صغير على طرف الكوميدينو، وكان الشّيطان حاضرا بكلّ وقاره وجلاله، مدّ يده بسرعة الضّوء ودسّها في جيبي دون أن يترك لي فرصة لإبداء أيّة مقاومة أو اعتراض. ثمّ غمز لي بطرف عينه وسحبني من يدي كي أخرج من البيت، وأتسلّل عبر جنان اللّوز والزّعرور عائدا إلى بيتنا ...


بعد أن أخذت من حنان أمّي جرعة كافية، مددت إليها يدي كي تنقدني عشرين ملّيما، فأشتري بها " حيّ ينقّز" وبيس بودورو" ، فوضعتها في كفّي مغلّفة بطبقة رهيفة من دفئها وابتسامتها، وذهبت إلى الحانوت وفي نفسي أمر آخر. مددت إليه القطعة البيضاء العجيبة كي يفكّها إلى عشرينات و"دوارا" و" فرنكات". فلا شكّ أنّ ذلك سوف يجعلها تبدو كثروة حقيقيّة، تثير شقشة كبيرة في جيبي مثلما يفعل عمّي صالح حين يضع يده في جيبه ويحرّكها بشكل مستمرّ فيصدر لها رنين جميل.


استلم البائع القطعة، وصمت قليلا مقلّبا عينيه بيني وبينها في استغراب واضح، لكنّه ختم الأمر بابتسامة ماكرة وناولني حفنة من الصّرف اجتهد كثيرا في حسابها، وعدت إلى البيت "أنقّز" وقد نسيت أن أشتري حيّ " ينقّز"، وأخفيت أمر الدّراهم عن أمّي جيّدا ورحت أحلم بالمشاريع الكبرى الّتي سوف أنجزها حين تستقرّ الأوضاع ويستتبّ الأمن.


في المساء يعود أبي كالعادة من عمله في المنجم، ويمرّ بالحانوت ليتزوّد بالسّجائر وبعض الحلوى، اعترضته حين أشرف على البيت كي أسلّم عليه بلهفة الغائب منذ أيّام، لكنّه حدجني بقسوة وأمرني أن أسبقه إلى البيت، وحين أدركني أوقفني أمامه وصفعني صفعة لمع لها سيف البرق بين عينيّ حقيقة لا مجازا، بكامل كفّ يده الغليظة اليابسة المتشقّقة، ليس لديّ اليوم أدنى شكّ من أنّ الكثير من تلك الصّفعات كانت تسبّب ارتجاجا هائلا في المخّ، ثمّ نادى أمّي و سحبني إلى المطبخ وأمسك السّكّين وراح يحمّيها على الموقد كي يقطع يدي، وهو يرفع الدينار في وجهي ويصرخ: من أين سرقته؟ كنت أرتجف كالقصبة وقد تبلّل أسفلي، وأنا أنظر إلى السكين يحمرّ شيئا فشيئا وأمّي تمسكني لا تفلتني ولا تحاول حتى أن تذود عني كما كانت تفعل دائما، وكم تلقّت من الصفعات والضرب بالحزام وهي تحميني بجسدها .. لكنّها اليوم تتركني لمصيري ، بل تمسك يديّ وتثبّتهما بقسوة غريبة كي يقطعهما أبي...


عندما أخبرته بالأمر، رمى السّكّين جانبا وصفعني مجدّدا حتّى تطاير مخاطي، ووضع الدينار في يدي قائلا:
غدا، من الفجر، تعيد الدينار إلى خالتك وتخبرها أنّك سرقته. إيّاك أن تقول لها وجدته! قل لها لقد سرقته من بيتك، ولا تعد إلى هنا حتّى تسامحك، أوتفعل بك ما تشاء.


لم أفهم لماذا أراد أن يمعن في إذلالي حينها؟ ألم يكن يكفي أن أقول لها إنّني قد وجدته أو علق بجيبي دون أن أشعر.
سرت إليها في اليوم الموالي كمن يسير إلى قبره، وحين وقفت أمامها، شهقت وهي ترى على خدّي تلك اليد المرسومة بأصابعها الخمسة وقد انتفخ الجانب الأيسر من عيني وغشيته زرقة، مددت إليها الدينار ورأسي يتدلّى كمخلاة مملوءة بالتراب، فارتمت عليّ تضمّني وتقبّل رأسي وتمسح دموعي. أقبل ابنها الأكبر يريد أن يضربني هو أيضا على فعلتي فنهرته قائلة :


_ اخرس أيّها اللّعين، لم يسرق شيئا، أنا أعطيته إيّاه.
ثمّ دسّت الدّينار في كفّي بكلّ حنان وإشفاق، رفضت بعناد وغصّة لكنّها أقسمت وأصرّت ووضعته في جيبي غصبا عنّي...

في طريق العودة، مررت بمرتفع كان يبدو لي في ذلك السن شاهقا، نسمّيه " السّفحة" شيء بين الجبل والهضبة، يشقّها طريق ضيّق متعرّج ، وعلى جانبيه شقوق وأجراف عميقة، بإمكانها أن تبتلع بقرة أو حصانا فلا يصل إلى قاعها إلا بعد ثوان طويلة...


وقفت على حافتها أنظر إلى غورها المظلم البعيد، وكم تمنّيت أن أرمي بجثّتي إليها فتبتلعني، لكنني خشيت من الأفاعي التي يروى أنها تجلجل في داخلها بأسنان كالمناشير ... وقفت طويلا حتى جفّ الدّمع وابتلعت آخر الغصص، ثمّ سحبت الدينار من جيبي وألقيت به إلى قاع جهنم.
#عبد_اللطيف_علوي

إرسال تعليق

أحدث أقدم