عقوبة الإعفاء ومصادرة ممتلكات الموظفين العموميين في تونس : تشريعات صارمة لمكافحة الفساد وحماية المال العام
تُعدّ مكافحة الفساد وحماية المال العام من أبرز أولويات الدولة التونسية، وقد كرّست المنظومة القانونية جملة من العقوبات الصارمة ضد الموظفين العموميين المتورطين في جرائم تمسّ من النزاهة وحسن التصرف، على غرار الاختلاس، الرشوة، أو الإخلال الجسيم بالواجبات الوظيفية. وتشمل هذه العقوبات الإعفاء النهائي من الوظيفة، المصادرة، الرد، إضافة إلى عقوبات سجنية ومالية ثقيلة.
الإعفاء والعزل: أقصى العقوبات التأديبية
ينصّ القانون عدد 112 لسنة 1983 المتعلق بضبط القانون العام لأعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية على عقوبات تأديبية متفاوتة الخطورة، يُعدّ العزل (الإعفاء) أشدّها.
ويتمثل العزل بدون إمكانية الاستقالة في العقوبة القصوى من الدرجة الثانية، ويُسلّط في حالات الأخطاء الجسيمة، خاصة عند التلبس بجرائم رشوة أو اختلاس أو استغلال النفوذ. ويترتب عن هذا الإجراء إنهاء العلاقة الوظيفية نهائيًا مع حرمان المعني من الامتيازات المرتبطة بالوظيفة العمومية.
كما يقع العزل الوجوبي في صورة صدور حكم جزائي باتّ ضد الموظف في جريمة مخلة بالشرف أو تمسّ بالمال العام، حيث يُجرّد نهائيًا من صفته الوظيفية ومن بعض الحقوق المدنية، طبقًا لأحكام المجلة الجزائية.
وفي ما يتعلق بـ أخطاء التصرف، خاصة في المؤسسات العمومية، فقد خوّل القانون لدائرة الزجر المالي تسليط عقوبات مالية قد تعادل راتب سنة كاملة، فضلًا عن تحميل المسؤولية الشخصية للموظف المعني.
مصادرة الممتلكات وردّ الأموال المنهوبة
إلى جانب العقوبات التأديبية، شدّد المشرّع التونسي على العقوبات المالية والجزائية في جرائم الفساد، وعلى رأسها الردّ والمصادرة.
ففي جرائم الاختلاس، تُلزم المحاكم الموظف المدان بردّ كامل المبالغ التي استولى عليها دون وجه حق، مع الحكم بمصادرة الأموال والممتلكات المتأتية من الجريمة، سواء كانت منقولة أو عقارية. وتمتد المصادرة، طبقًا للقانون، إلى الممتلكات التي انتقلت إلى أصول الموظف أو فروعه أو زوجه أو أصهاره متى ثبت ارتباطها بالعائدات الإجرامية.
كما نصّ القانون عدد 73 لسنة 2016 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال على مصادرة العائدات الإجرامية، بما في ذلك الممتلكات التي تم خلطها بمكاسب مشروعة، وهو ما يعزّز مبدأ “تتبّع المال” مهما تغيّرت صيغته أو وجهته.
عقوبات سجنية وخطايا مالية ثقيلة
تصل العقوبات الجزائية في بعض جرائم الفساد الخطيرة إلى السجن لمدة قد تبلغ 20 سنة، فضلًا عن خطايا مالية قد تصل إلى 150 ألف دينار تونسي، وفي حالات استثنائية مشدّدة قد يُحكم بالسجن مدى الحياة، خاصة إذا اقترنت الجرائم بضرر جسيم بمصالح الدولة أو الأمن الاقتصادي.
إطار قانوني صارم ورسالة ردع واضحة
تعكس هذه الترسانة القانونية توجّه الدولة التونسية نحو تكريس مبدأ عدم الإفلات من العقاب، وحماية المال العام، وتعزيز الثقة في الإدارة العمومية. ويؤكد خبراء في القانون أن تفعيل هذه النصوص بصرامة وعدالة يظلّ العامل الحاسم في الحدّ من الفساد وترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
المرجع القانوني الأساسي:
القانون عدد 112 لسنة 1983 المتعلق بضبط القانون العام لأعوان الدولة
المجلة الجزائية التونسية
القانون عدد 73 لسنة 2016 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال
Tags
أخبار