يعالج ‏من ‏المرض ‏الخبيث ‏: ‏تدوينة ‏مؤثرة ‏جدا ‏للصحفي ‏زياد ‏الهاني ‏

كان صوت جهاز الكشف المغناطيسي /إي آر آم/ مزعجا، لكن موسيقى أغاني فيروز المنبعثة من سماعات خفض الضجيج كان وقعها سحريا..
آنا وَحبيبي، وحبيبي إلي..
تحول مع موسيقاها صوت الطرق العنيف إلى ما يشبه الدقات القوية للقلب..


ويتتالى الطرق، ومع تغير الموسيقى إلى /حبّيْتك بالصيف، حبّيْتك بالشِتي/، تحول الطرق إلى صوت أعرفه وأتذكره جيدا.. صوت قادم من زمن بعيد..

وجدته!! إنه صوت رحى طاحونة سيدي حمادة التي كنت أحمل لها شكاير القمح لرحيها.
كانت متعة لا تضاهيها متعة بالنسبة لي، وأنا أجلب"البهيمة" من دار /ماما الزهرة/، وأساعد ابن عمي /أحمد جِدّي/ على وضع شكارة القمح على ظهر الأتان، قبل أن أقفز بدوري فوق الشكارة على ظهر الدابة. 


/ماما الزهرة/ (وننطقها مُومَا بتفخيم الميم وضمها), هي عمتي. وهي سيدة جميلة فارعة الطول ممتلئة القوام، معروفة بالجدية والحزم، وأجمل ما فيها عيناها اللتان لم أدرك إلى اليوم سر لونهما المراوح بين الأزرق والأخضر والرمادي.


كانت عمتي تجلس مع باقي النسوة حول جدتي /دادا حبيبة/ وقد افترشن جلود خراف يغربلن فوقها السميد، ويحولن جزء منه إلى كسكسي ومحمصة. وكنّ جميعهن ملتحفات الملية بخلالْ فضي جميل، وقد غطين رؤوسهن بفولارات خضراء وسوداء وحمراء تمثل الزهور قاسما مشتركا بينها.

أذكر مرة عندما شاهدت عمتي مرتدية فستانا بدل مليتها، أني لم أتعرف عليها للوهلة الأولى، وبدت لي وكأنني أكتشفها للمرة الأولى. 

يا إلاهي، كم كانت فائقة الجمال...
عند هذا الحد توقفت فيروز، وتوقف معها الحلم، بمناسبة توقف الكشف بهدف إدخال مادة كيميائية في العرق الذي تم إيجاده بصعوبة، قبل مواصلة التصوير.

وبصَمت الموسيقى الفيروزية، أصبح ضجيج الجهاز لا يطاق، وعوضت الحلم الجميل هواجس التساؤل عن عودة ذلك الغازي الخبيث، ونتيجة لا مهرب فيها من حكم القدر..
أي حياة قاسية كنا سنحياها، لولا جمال الموسيقى؟

إرسال تعليق

أحدث أقدم