أثارت أشغال طلاء أجزاء من أسوار المدينة العتيقة بسوسة بمادة "الجير الأبيض" موجة غضب واستنكار واسعة في الأوساط الثقافية والتراثية وبين نشطاء المجتمع المدني، وذلك بعد تداول صور ومقاطع فيديو أظهرت تغيرًا لافتًا في المظهر الأصلي للسور التاريخي المصنف ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو منذ سنة 1988.
وتُعد المدينة العتيقة بسوسة من أهم المعالم الأثرية في تونس وشمال إفريقيا، حيث تعود جذورها إلى فترات تاريخية عريقة، وتتميز بأسوارها الحجرية التي تعكس الطابع المعماري الأغلبي والإسلامي الذي حافظ على أصالته لعقود طويلة.
خبراء التراث: المساس بالأصالة المعمارية خطر على القيمة التاريخية للموقع
وأعرب عدد من المختصين في مجال التراث والآثار عن قلقهم من طبيعة التدخل الذي طال السور، معتبرين أن تغطية الحجارة الأصلية بطبقة بيضاء كثيفة من شأنه أن يحجب الملامح التاريخية والمعمارية للموقع، ويؤثر على قيمته الثقافية والبصرية.
وأكد عدد من المهتمين بالشأن التراثي أن عمليات الترميم والصيانة الخاصة بالمواقع الأثرية تخضع لمعايير دولية دقيقة تشدد على ضرورة المحافظة على أصالة المواد التاريخية واحترام الخصائص المعمارية الأصلية للمواقع المصنفة عالمياً.
مواقع التواصل الاجتماعي تشتعل بالتعليقات الساخرة والانتقادات
وفي المقابل، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة كبيرة من الانتقادات، حيث عبّر العديد من المواطنين عن استغرابهم من الشكل الجديد للأسوار بعد الطلاء، معتبرين أن العملية أفقدت المعلم التاريخي جزءاً من هويته وجماليته التي تميّزه.
كما تداول نشطاء عشرات التدوينات والصور التي قارنت بين الشكل الأصلي للأسوار والمظهر الجديد بعد الأشغال، وسط دعوات إلى مراجعة المشروع وإعادة تقييم التدخلات المنجزة وفق مقاربة علمية متخصصة.
مطالب بفتح تحقيق عاجل وتدخل المعهد الوطني للتراث
وطالب عدد من المحتجين والمهتمين بالتراث بفتح تحقيق عاجل للكشف عن الجهات التي أشرفت على هذه الأشغال ومدى مطابقتها للمعايير المعتمدة في صيانة المواقع الأثرية، داعين المعهد الوطني للتراث إلى التدخل الفوري لمعاينة الوضع واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المعلم التاريخي.
ويرى متابعون أن المحافظة على الذاكرة الوطنية والمعالم الأثرية لا تقتصر على أعمال الصيانة الدورية فحسب، بل تستوجب اعتماد حلول علمية دقيقة تضمن الحفاظ على الهوية الأصلية للمواقع التاريخية وتوريثها للأجيال القادمة دون تشويه أو تغيير لملامحها التراثية.
المدينة العتيقة بسوسة بين ضرورة الصيانة والحفاظ على الأصالة
وتعيد هذه الحادثة إلى الواجهة الجدل المتواصل حول طرق ترميم وصيانة المعالم التاريخية في تونس، خاصة تلك المدرجة ضمن قائمة التراث العالمي، حيث يؤكد المختصون أن أي تدخل غير مدروس قد تكون له انعكاسات سلبية على القيمة التاريخية والثقافية لهذه المواقع التي تمثل جزءاً مهماً من الذاكرة الوطنية التونسية.
Tags
أخبار