كتب القيادي بحركة النهضة، رفيق عبد السلام على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك مهاجما رئيس الجمهورية قيس سعيد ما يلي :
قيس سعيد ، شأنه في ذلك شأن بعض المنظرين المشعوذين من جماعة الحملة التفسيرية من حوله، مهووسون بمقولات البدايات والنهايات والقطائع والمنعطفات التاريخية، على نحو ما يبرز ذلك في خطابهم ومواقفهم. في كل مرة يبشرنا قيس سعيد وجماعته ، بأنهم بصدد صنع تاريخ جديد، ونحت نهايات وبدايات جديدة، وهم منخرطون في نسج أفكار وفلسفات سياسية وتشريعية جديدة وغير مسبوقة في تاريخ البشرية.
كل الحركات الايديولوجية المتطرفة وكل القوى الفوضوية الحالمة بنت سردية القطيعة التاريخية والمعرفية، ومن ذلك الترويج لمقولات "الانسان الجديد" "والعصر الجديد" "والفكر الجديد"، مع تأسيس ثنائية حادة بين قوى الخير والشر، ثم تحويل الساحة السياسية تبعا لذلك الى خنادق متقابلة ومعسكرات متشابكة، محكومة بالعنف وحملات التطهير والتطهير المضاد، ولذلك يتجه هؤلاء الى تقسيم التاريخ بين ماض مظلم وقاتم يمثله الأعداء والخصوم ، مقابل حاضر مشرق ومشع يجسده هؤلاء الاخيار المصلحين، مثلما كان يبشر بذلك الخوارج في التاريخ القديم ويعاقبة الثورة الفرنسية في العصر الحديث، ومن بعدهم الشيوعيين البلاشفة، ثم الشيوعيين الماويين وبول بوت في كمبوديا.
لقد كانت كلفة هذه الشخصيات " المخرفة" وهذه القوى المثالية، ثقيلة الوطأة على المجتمعات والأفراد من خلال تدشين حملات العنف المنظم وموجات التضليل الايديولوجي والديماغوجي، وفعلا هذه السردية المثالية التي يروجها قيس سعيد والمحيطين به، اذا ما تمت ترجمتها عمليا في الساحة السياسية فلن تكون الا مشروع حرب أهلية مفتوحة تحركها قوى التطرف والعنف وتغذيها غرائز الكراهية والحقد المبنية على سردية القطيعة والانفصال.
كل الشخصيات المتطرفة والفوضوية تختلط عندها الأوهام بقليل من الحقائق، وتتصور أنها خلف من دون سلف، ومن ثم يخيل لهؤلاء أنهم بمثابة أنبياء مرسلين، نزلوا من " كوكب علوي" وجاؤوا لإصلاح الارض من المتآمرين والاعداء الفاسدين، وهم عند سعيد وجماعته: الأحزاب والمنظمات والهيئات والمؤسسات وكل الاجسام الوسيطة وكل الشخصيات السياسية المؤثرة.
في الغالب الأعم تكون النتائج السياسية لهذا الخطاب والممارسة بالغة السواد والكارثية. فهم من جهة يشرعون لممارسة العنف الفوضوي، ومن جهة أخرى يحيطون أنفسهم بكبار الانتهازيين ممن يركبون هذه الموجة الغامضة، قبل أن يتحول قادة هذه الحركات أنفسهم الى ممارسة الفساد الأكبر بعد جمع السلط بين أيديهم وتفكيك كل اليات الرقابة والتوازن بين السلط.
هذه ظاهرة معروفة بعد الثورات الكبرى وقد سبق ان ناقشها الكسيس دي توكوفيل ومن قبله ادموند بيرك المحافظ البريطاني، ثم فصلت فيها القول أكثر الفيلسوفة الالمانية حته أرنت في كتابها المعروف " أصول التوليتارية"
يذكر أن يعاقبة الثورة الفرنسية في اطار سعيهم الحثيث للسيطرة على الحكم باسم الثورة، قد صنعوا لأنفسهم تحقيقا زمنيا جديدا أرادوا فرضه على العالم، حتى أنهم اعتبروا السنة الاولى من عمره الثورة الفرنسية ، السنة الصفر في تاريخ البشرية، والغرض من ذلك ممارسة العنف والهندسة السياسية عبر أدوات الدولة التدخلية، ويبدو أن قيس سعيد يريد أن يسير على ذات المنوال تقريبا، فالرجل يسكنه وهم انه بصدد صنع تاريخ جديد للبشرية برمتها، وأنه صاحب أفكار ونظريات غير مسبوقة ولا ينافسه في ذلك حتى صاحب الكتاب الأخضر، وهو في الحقيقة بصدد صنع حلقة جديدة من حلقات الفشل التاريخي التي عاشها الأقدمون والمحدثون، ولكنه يظل في نهاية المطاف مجرد حلقة عابرة من حلقات الثورة المضادة وإن اخذت هذه المرة طابعا فوضويا ذات أصول وفروع نوفمبرية.
Tags
أخبار