تونس – وات : أكد القاضي والباحث جابر غنيمي، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء (وات)، أن تونس بذلت خلال السنوات الأخيرة جهودًا كبيرة لتطوير ترسانتها القانونية والمؤسساتية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، خاصة بعد التحديات التي واجهتها في التصنيف الدولي.
وأوضح غنيمي أن المنظومة الحالية تقوم على مواءمة التشريعات الوطنية مع المعايير الدولية، وعلى رأسها معايير مجموعة العمل المالي (GAFI)، بما يضمن نجاعة الإطار القانوني والرقابي وفاعلية آليات المتابعة والمراقبة.
منظومة قانونية متطورة ومتجانسة
وبيّن المتحدث أن من أبرز القوانين المنظمة لهذا المجال في تونس:
القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال، وهو القانون الأم الذي أسس للمنظومة التشريعية.
القانون الأساسي عدد 9 لسنة 2019، الذي أدخل تعديلات جوهرية لتعزيز نجاعة المنظومة وتوسيع نطاق الالتزامات ليشمل المهن غير المالية.
الأمر الحكومي عدد 419 لسنة 2019، الذي يضبط إجراءات تنفيذ قرارات الهياكل الأممية الخاصة بتجميد أموال الأشخاص المشمولين بعقوبات دولية.
إضافة إلى مناشير البنك المركزي التونسي، وآخرها المنشور عدد 2 لسنة 2026، الذي عزز التزامات مكاتب الصرف في مجال اليقظة ومكافحة غسل الأموال.
هياكل رقابية متعددة واختصاصات متكاملة
وتضم تونس عددًا من المؤسسات والهياكل الرقابية الفاعلة، أبرزها اللجنة التونسية للتحاليل المالية، وسلطات الرقابة القطاعية مثل البنك المركزي التونسي، وهيئة السوق المالية، والهيئة العامة للتأمين، وسلطة رقابة التمويل الصغير.
كما يضطلع القطب القضائي الاقتصادي والمالي بدور محوري في معالجة قضايا الفساد المالي وغسل الأموال المعقدة، إلى جانب النيابة العمومية التي تتحرك بناءً على تقارير التحاليل المالية، فضلًا عن الأجهزة الأمنية المختصة.
نجاحات دولية وخروج من القوائم السوداء
وبفضل هذه الإصلاحات الهيكلية والتشريعية، نجحت تونس في الخروج من القائمة السوداء لمجموعة العمل المالي ومن قائمة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر، في مسار إصلاحي انطلق منذ سنة 2019 وتُوّج بالاستقرار الحالي.
كما صنّف تقرير مؤشر بازل لسنة 2025 الصادر عن معهد بازل للحوكمة، تونس ضمن الدول الإفريقية الأقل عرضة لمخاطر غسل الأموال، في إشادة دولية بجهود الدولة في هذا المجال.
قضايا رقمية وتحقيقات متواصلة
وفي السياق ذاته، قامت الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصال التابعة للحرس الوطني، خلال السنة الماضية، بالبحث في عشرات القضايا العدلية ضد مستعملي منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة "تيك توك" و"إنستغرام"، حيث تم إيداع عدد منهم بالسجون، فيما لا تزال التحقيقات جارية بخصوص شبهات تتعلق بجرائم تبييض وغسل الأموال.
غسل الأموال الرقمي: خطر متنامٍ
وبيّن القاضي والباحث جابر غنيمي، في دراسة متخصصة، أن غسل الأموال الرقمي يتم عبر استغلال الوسائل التكنولوجية الحديثة لإخفاء المصدر الحقيقي للأموال غير المشروعة، وتحويلها إلى أموال تبدو قانونية، مستفيدين من سهولة التحويلات الدولية وعدم الكشف عن الهوية الرقمية.
وأوضح أن جرائم غسل الأموال تشمل عمليات الحيازة، والإيداع، والتحويل، والاستثمار، والتلاعب بالقيمة، وتشمل عائدات جرائم متعددة، من بينها تجارة المخدرات، والإرهاب وتمويله، والنصب، والفساد، والرشوة، واختلاس المال العام، وتهريب الآثار، والتدليس، والاتجار غير المشروع.
آثار خطيرة على الاقتصاد والمجتمع
وأكد الباحث أن غسل الأموال يخلّف آثارًا وخيمة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إذ يؤدي إلى إضعاف الاقتصاد وارتفاع التضخم، وتفشي الفساد والجريمة، وتقويض الاستقرار السياسي، إضافة إلى تشويه سمعة الدولة وتقليص الاستثمارات الأجنبية، وتعميق الفجوة الاجتماعية.
وختم غنيمي بالتأكيد على أن مكافحة غسل الأموال أصبحت اليوم معركة وطنية شاملة، تستوجب تضافر جهود الدولة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، مع تعزيز الرقابة الرقمية وتطوير آليات التتبع والتوعية.
Tags
أخبار