تتجه الأنظار في تونس إلى الدائرة الجنائية الخامسة المختصة في قضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس، التي حدّدت يوم 31 مارس 2026 موعدًا لانطلاق محاكمة المتهمين في ما يُعرف إعلاميًا بملف “خلية الرصد والتخطيط لاغتيال سياسيين وقضاة وإعلاميين”، وهو أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد القضائي والسياسي.
ويضمّ هذا الملف أسماء بارزة، من بينها رجل الأعمال فتحي دمق، إلى جانب عدد من الإطارات الأمنية السابقة، وكذلك قيادات منتمية إلى حركة النهضة، في قضية تعود جذورها إلى السنوات الأولى التي أعقبت الثورة التونسية.
اتهامات ثقيلة وسياق سياسي معقّد
وفق المعطيات التي كشفت عنها هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد ومحمد البراهمي خلال ندوة صحفية سابقة، فإنّ مجموعة من الشخصيات المرتبطة بحركة النهضة كانت قد كوّنت، منذ سنة 2012، وفاقًا يُشتبه في أنّه خُصّص للتخطيط لاغتيال شخصيات سياسية وقضائية وإعلامية.
وتذهب الهيئة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن هذا الوفاق كان وراء تنفيذ عملية اغتيال شكري بلعيد يوم 6 فيفري 2013، وهي الجريمة التي هزّت تونس وأدخلتها في واحدة من أخطر أزماتها السياسية والأمنية.
مسار قضائي طويل وقرارات حاسمة
القضية شهدت مسارًا قضائيًا معقّدًا، حيث أقرّت محكمة التعقيب، بتاريخ 27 نوفمبر 2023، قرار دائرة الاتهام القاضي بتوجيه تهم ثقيلة لعدد من المتهمين، من بينهم فتحي دمق، الطاهر بوبحري، كمال العيفي، بلحسن النقاش، وعلي الفرشيشي، وذلك من أجل “تكوين وفاق لارتكاب جرائم إرهابية”.
ويُعدّ هذا القرار محطة مفصلية، إذ ثبّت التهم وأحال الملف إلى الدائرة الجنائية المختصة، تمهيدًا لبدء المحاكمة التي يُنتظر أن تكشف مزيدًا من التفاصيل حول هذه الشبكة المعقّدة.
تسجيلات ومعطيات مثيرة للجدل
من أبرز الأدلة التي استند إليها قرار دائرة الاتهام، تسجيلات منسوبة إلى فتحي دمق، يُقال إنها تتضمّن حديثًا عن “قائمة اغتيالات” تضمّ أسماء شخصيات سياسية، من بينها شكري بلعيد.
كما تشير المعطيات إلى وجود محادثة تعود إلى سنة 2012 جمعت بين بلحسن النقاش وعلي الفرشيشي، يُشتبه في أنّها تتضمّن إشارات مباشرة إلى التخطيط لتلك العمليات، وهو ما اعتبرته الجهات القضائية عنصرًا داعمًا لفرضية وجود وفاق إجرامي منظّم.
رهانات العدالة وكشف الحقيقة
تُعدّ هذه المحاكمة اختبارًا جديدًا للقضاء التونسي في ملف بالغ الحساسية، خاصة في ظلّ مطالب عائلات الضحايا وهيئات الدفاع بكشف الحقيقة كاملة ومحاسبة كل المتورطين، مهما كانت مواقعهم.
ومن المنتظر أن تحظى جلسات المحاكمة بمتابعة واسعة من الرأي العام ووسائل الإعلام، نظرًا لارتباطها بواحدة من أبرز القضايا التي شكّلت منعطفًا في تاريخ تونس الحديث.
وبين مسار قضائي طويل وانتظارات شعبية كبيرة، يبقى السؤال الأهم: هل ستكشف هذه المحاكمة كل خيوط القضية وتضع حدًا لسنوات من الجدل والتأويل؟
Tags
أخبار