عبد ‏اللطيف ‏العلوي ‏يكتب ‏:" ‏أنا ‏حزين ‏جدا لأن ‏الكرامة ‏التي ‏إشتريناها ‏بدم ‏الشهداء نبيعها ‏اليوم بزيت ‏"الصانجو " ‏

نشر اليوم الجمعة، النائب المجمد بمجلس النواب،عبد اللطيف العلوي تدوينة على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فايسبوك علق فيها على قراءة الناشط السياسي و المدون المعز الحاج منصور التي قال فيها : "كيف نقرأ رسالة عبد اللطيف العلوي المهزوم سياسيّا إلى قيس سعيّد المنتصر سياسيّا"؟


وبقطع النّظر عمّا ورد في قراءته، الّتي لا أملك إلاّ أن أحترمها أيّا كانت ردودي عليها، فإنّ ما يعنيني هنا فقط هو التّعليق على عبارة "المهزوم سياسيّا"، و"المنتصر سياسيّا".


أمّا ما تسمّيه "انتصارا سياسيّا"، فإنّي واللّه أعجب، من رجل لم يخض في حياته الطّويلة معركة واحدة ضدّ الاستبداد، وأقصى انتصاراته حين وصل إلى السّلطة في زمن الحرّيّة، أن أغلق برلمان الشعب المنتخب بدبّابة! إذا كنت تعتبر ذلك انتصارا فأكرم بها من هزيمة!


وأمّا عن الهزيمة السّياسيّة، فاسمع عنّي هداك اللّه ما يلي:
 أنا رجل أكرمني اللّه بأن عشت إلى اليوم اثنين وخمسين عاما، ولدت على أطراف قرية فقيرة من أرياف الشّمال الغربي، هناك حيث تولد رقما هامشيّا على اليسار، وفعلا جامدا غير قابل للتّصريف، وحيث لا أحد يتوقّع منك أكثر من أن تعيش حجرا نائما على طرف الطّريق.


عشت كلّ شيء في حياتي بمنتهى الصّدق والعمق، الخوف بعمق والجوع بعمق والحبّ بعمق والثّورة بعمق والخيبات بعمق والفرح بعمق والغضب بعمق والحزن بعمق.

عرفت التّعذيب والسّجون منذ سنّ الثّامنة عشرة وأنا طفل بقلب طريّ أخضر وعرفت الملاحقات وزوّار الفجر ورأيت أمّي لسنوات طويلة تحمل ما تسمّيه هي "الفجعة" بين ضلوعها وفي عينيها وفي صوتها وفي طبقات الرّعب الدّاكن التي صارت تغطّي وجهها، وعرفت جحيم المراقبة الإداريّة لسنوات والحرمان من الدّراسة والجوع والغربة وخيانة الأصدقاء وشماتة الأعداء! وعرفت ملحمة الثّورة وأحلامها وانتصاراتها وخيباتها...

  عرفت ما يكفي لأحزن ألف عام وأيأس من كلّ شيء وأعتكف في وحدتي طالبا حسن السّلامة والختام!


 لكنّني عدت يا حبيبي، لم أمت كما ترى وبقيت حيّا بنفس ذلك القلب ونفس تلك الرّوح ونفس ذلك الحلم حتّى هذا العمر، وليس لديّ أيّ نيّة أو تفكير في الانتحار قريبا! فماذا يستطيع قيس سعيد "المنتصر" أن يسلبني حسب رأيك؟!
فعل من سبقه المستحيل لكي يجعلني أكره هذا الوطن، وأهجره وأنقم على أشقيائه، لكنّه لم يستطع! ولعلّك تعرف قول الشّاعر معين بسيسو: " وضعوا الشّاعر في الجنّة، فقال: آاااهٍ يا وطني!"


أنا اليوم كما ترى، الآلاف يحبّونني بعمق، والآلاف أيضا يتمنّون أن يقلوا لحمي في الزّيت بعمق! أتعرف لماذا؟! لأنّني ببساطة كنت صادقا مع هؤلاء ومع أولئك، لم أوافق ولم أنافق ولا أنوي مغادرة البلاد! تلك سنّة اللّه في خلقه، وضريبة الصّدق والثّبات كانت دائما منذ الأزل: حين تكون صادقا، فعليك أن تنتظر المحبّة والكراهية في حدّيهما الأقصيين!

نعم أنا غاضب وحزين، ولكنّي لست مهزوما! غاضب وحزين لأنّ الكرامة والحرّيّة الّتي اشتريناها بدم الشّهداء، نبيعها اليوم بزيت الصّانجو!

لست مهزوما أبدا ياصديقي، لأنّي لم تكن لديّ حكومة آسف على سقوطها، ولا علاقات نافذة خسرتها، ولا مصالح شخصيّة أبكي عليها.


 أنا اليوم منتصر لو تعلم، منتصر بكلّ هذا الحبّ الّذي يغمرني به الطّيّبون في كلّ مكان، بنظرات الفخر والاعتزاز في عيون زوجتي وبناتي، بثقتي في الله واعتزازي بتاريخي وحاضري ورضاي عن كلّ ما فعلته في حياتي، منتصر بما زرعته في عقول أجيال من تلامذي من قيم العدل والمحبّة، وبما تساهم به كتاباتي في تحرير العقول، منتصر حتّى بدموع أمّي ودعواتها الرّاجفة الخائفة ما بين سجوف اللّيل وأستار النّهار، 


ومنتصر أخيرا لأنّني قاومت، و مازلت أقاوم، وسأقاوم إن كان في العمر بقية، من أجل حلم عشت له وبه: أن نكون يوما بشرا لا بقرا، بشرا أحرارا كما خلقهم ربّهم بمشيئته وحدها، يعيشون كراما بمشيئته وحدها ويموتون كراما بمشيئته وحدها.


الحياة، نَعَمْ عزيزة وغالية، وسأكون كاذبا جدّا وسخيفا لو قلت لك إنّني لست خائفا على حياتي، ولكن ما قيمة الحياة إذا لم يكن فيها ما هو أغلى منها، وتخاف عليه أكثر منها، ويستحقّ في اللّحظة المناسبة أن تضحّي بتلك الحياة من أجله.


أعرف أنّ الكثيرين لا صبر لهم على قراءة النّصوص الطّويلة، ولذلك سأختم بجملة نشرتها أيّاما فقط قبل الانقلاب: 
"أتعرف متى ينتصرون عليك؟ ينتصرون عليك فقط حين يصنعون منك النّسخة الّتي يريدون"!
وأنا والحمد للّه، مازلت في نسختي الأصليّة، لست نسخة من الكربون.
عبد اللطيف العلوي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم