في خطوة تعكس توجهاً اقتصادياً براغماتياً يروم تنويع الشركاء التجاريين وتعزيز سلاسل التوريد الصناعية، استقبل المغرب أول شحنة من الأمعاء المملحة للخنازير قادمة من روسيا الاتحادية، في عملية وُصفت بأنها الأولى من نوعها بين الجانبين بهذا الحجم والصنف.
وأعلنت الهيئة الفيدرالية الروسية للرقابة البيطرية والنباتية أن الشحنة انطلقت رسمياً في 16 فبراير 2026 من منشأة صناعية بمنطقة “أكتوبر” التابعة لمقاطعة كورسك، بوزن إجمالي بلغ 22.2 طناً، لتشكل أول عملية تصدير من هذا النوع من المنطقة نحو السوق المغربية.
بروتوكولات صحية صارمة
وخضعت الشحنة، وفق المصدر ذاته، لسلسلة من الفحوصات المخبرية الدقيقة داخل مختبرات فيدرالية روسية معتمدة، استجابة للمعايير البيطرية ومتطلبات السلامة الصحية التي تفرضها السلطات المغربية المختصة، قبل شحنها إلى الموانئ الوطنية.
ويأتي ذلك في إطار احترام الضوابط القانونية والتنظيمية المعمول بها في مجال استيراد المنتجات ذات الأصل الحيواني.
استعمالات صناعية وطبية
وأثار خبر استيراد منتجات مشتقة من الخنازير إلى بلد ذي أغلبية مسلمة تساؤلات لدى الرأي العام، غير أن المعطيات الصناعية والطبية المرتبطة بهذه المواد تبرز أبعاداً اقتصادية وتقنية تتجاوز الاستهلاك الغذائي المباشر.
وتُستخدم أمعاء الخنازير عالمياً كمادة أولية لاستخراج “الهيبارين” (Heparin)، وهو مضاد لتخثر الدم يُستعمل على نطاق واسع في العمليات الجراحية، وعلاج الجلطات، وحصص تصفية الدم. ويُعد هذا المركب من المواد الأساسية في الصناعات الدوائية، ما يجعل تأمين مواده الخام ضرورة للمختبرات الصيدلانية.
كما تُستعمل هذه الأمعاء كأغلفة طبيعية في صناعة بعض أنواع النقانق واللحوم الباردة، ويتم توجيهها عادة إلى وحدات إنتاج مرخصة تخضع لرقابة دقيقة، سواء لتلبية حاجيات منشآت سياحية موجهة للأجانب أو لإعادة تصديرها بعد معالجتها.
إعادة التصدير وتعزيز القيمة المضافة
وتعتمد بعض الوحدات الصناعية المغربية على استيراد هذه المواد الخام لإخضاعها لعمليات تحويل محلية، قبل إعادة تصديرها نحو أسواق أوروبية وإفريقية في شكل منتجات نصف مصنعة أو نهائية، بما يعزز القيمة المضافة ويوفر فرص شغل متخصصة.
في سياق شراكة اقتصادية أوسع
ولا يمكن فصل هذه العملية عن السياق العام للعلاقات الاقتصادية المتنامية بين الرباط وموسكو. فالمغرب يواصل اعتماد سياسة تنويع الشركاء لتأمين احتياجاته من المواد الأولية والطاقية، بينما تُعد روسيا سوقاً تقليدية للصادرات الفلاحية المغربية، خاصة الحوامض والخضروات.
كما يشمل التعاون الثنائي مجالات متعددة، من بينها الأسمدة، والمنتجات الطاقية، والبنيات التحتية، مع اهتمام متزايد بالاستثمارات الصناعية والتكنولوجية.
وفي المحصلة، تعكس هذه الشحنة توجهاً عملياً يهدف إلى تلبية حاجيات صناعية ودوائية محددة، ضمن إطار قانوني وصحي منظم، في سياق شراكة اقتصادية تتسم بالتوسع والانفتاح على مجالات غير تقليدية بين البلدين.
Tags
أخبار