تشهد شواطئ “كوكو بيتش” بمدينة غار الملح، التابعة لولاية بنزرت، خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في مستوى الرمال وتمدّدًا لافتًا لمياه البحر نحو اليابسة، في مشهد أثار قلق المتساكنين وأصحاب النزل والمصطافين على حدّ سواء.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة ملفّ انجراف السواحل في تونس، خاصة بالمناطق الشمالية التي تُعدّ من أكثر السواحل هشاشة أمام التقلبات المناخية والبحرية.
تراجع واضح في المساحة الرملية
وفق معاينات ميدانية وشهادات عدد من الأهالي، فقد الشاطئ جزءًا مهمًا من رماله خلال الفترة الماضية، مع تقلّص المساحة المخصّصة للسباحة والاستجمام.
ويؤكد متساكنون أن البحر “تقدّم” بأمتار مقارنة بالسنوات السابقة، لا سيما عقب موجة العواصف البحرية الأخيرة التي شهدتها المنطقة، والتي تزامنت مع رياح قوية ومدّ بحري مرتفع.
ويُظهر المشهد الحالي تغيّرًا في ملامح الخط الساحلي، حيث أصبحت بعض النقاط التي كانت مخصّصة لجلوس المصطافين قريبة جدًا من المياه، ما يعكس تسارع وتيرة التآكل.
خبير يوضّح: انجراف طبيعي يتسارع بفعل الإنسان والمناخ
في تصريح خصّ به موقعنا، أوضح خبير في علوم البحار والسواحل أن ما يحدث في غار الملح يندرج ضمن ظاهرة انجراف السواحل، وهي عملية طبيعية تحدث نتيجة حركة الأمواج والتيارات البحرية، غير أنّها تتسارع بفعل عوامل إضافية أبرزها:
التغيرات المناخية: ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن الاحتباس الحراري يؤدي إلى تقدّم تدريجي للمياه نحو اليابسة.
العواصف البحرية القوية: التي تسحب كميات كبيرة من الرمال نحو الأعماق وتغيّر توزيع الرواسب.
التدخل البشري: من خلال البناء العشوائي قرب الشريط الساحلي وإقامة منشآت تعيق الحركة الطبيعية للرمال.
وأشار الخبير إلى أن الساحل الشمالي لتونس، خاصة ولاية بنزرت، يتميّز بطبيعة جيومورفولوجية منخفضة، ما يجعله أكثر عرضة لتأثيرات ارتفاع مستوى البحر والعواصف.
تداعيات بيئية واقتصادية مقلقة
1. تهديد للتنوع البيولوجي
تراجع الشواطئ يؤثر مباشرة على المواطن الطبيعية للعديد من الكائنات البحرية، كما قد يخلّ بالتوازن البيئي في المناطق الرطبة القريبة، وهو ما قد ينعكس على الثروة السمكية والأنظمة الساحلية الحساسة.
2. خسائر محتملة في القطاع السياحي
تُعدّ غار الملح من أبرز الوجهات الصيفية في الشمال التونسي. واستمرار تآكل الشواطئ قد ينعكس سلبًا على الموسم السياحي، ويؤثر على مداخيل أصحاب المشاريع السياحية والمطاعم والنزل.
3. مخاطر على البنية التحتية
في حال تواصل تقدّم البحر، قد تصبح بعض الطرقات والمنشآت القريبة من الساحل عرضة للخطر، خاصة خلال فترات المدّ العالي والعواصف، ما يستوجب خطط حماية استباقية.
هل من حلول ممكنة؟
يرى المختصون أن الحلول موجودة لكنها تتطلب رؤية استراتيجية طويلة المدى، من بينها:
إنجاز دراسات علمية دقيقة لرصد تطور الخط الساحلي.
تغذية الشواطئ بالرمال (Beach Nourishment) كحلّ ظرفي لإعادة التوازن.
منع البناء الفوضوي في المناطق القريبة من البحر وتطبيق قوانين التهيئة الترابية بصرامة.
اعتماد سياسات وطنية للتأقلم مع التغيرات المناخية وتعزيز الحماية الساحلية.
كما شدّد الخبراء على ضرورة تكاتف جهود السلط المحلية والمجتمع المدني لوضع خطة تدخل عاجلة تحمي شواطئ المنطقة من مزيد من التدهور.
أزمة تتجاوز “كوكو بيتش”
ما يحدث في “كوكو بيتش” ليس حالة معزولة، بل يعكس تحولات بيئية أوسع قد تطال مختلف سواحل تونس في السنوات القادمة.
وبين التحذيرات العلمية والواقع الميداني، يبقى الرهان الأكبر هو التحرك السريع والاستباقي لحماية الثروة الساحلية وضمان استدامتها، خاصة في ظل التحديات المناخية المتصاعدة التي باتت تفرض نفسها كأحد أبرز ملفات الأمن البيئي والاقتصادي في البلاد.
Tags
أخبار