بنزرت – موزاييك نيوز: في واقعة سريالية تجاوزت حدود الخيال الإجرامي لتطرق أبواب النخبة العلمية، اهتزت مدينة بنزرت ومعها الرأي العام التونسي على وقع فضيحة مدوية، بطلها "وفاق عائلي" غير مألوف. لم تكن هذه المرة العصابة من ذوي السوابق التقليديين، بل ضمت بين صفوفها "طبيبة" و"مختصاً في الرياضيات"، سقطا من مدرجات العلم إلى مستنقع ترويج السموم.
كمين محكم ينهي مغامرة "العائلة المتعلمة"
وفقاً لما أفادت به مصادر أمنية لموقع "موزاييك نيوز"، فإن العملية جاءت ثمرة تنسيق استخباراتي عالي المستوى قامت به الفرقة الجهوية لمكافحة المخدرات ببنزرت. وبعد رصد دقيق لتحركات مشبوهة بين منطقتي طبرقة وسجنان، نصبت الوحدات الأمنية كميناً محكماً أسفر عن الإطاحة بشاب (28 سنة) ووالدته وشقيقته.
المفاجأة لم تكن في إيقافهم فحسب، بل فيما تم حجزه؛ حيث ضبطت الوحدات الأمنية 6 صفائح من مخدر القنب الهندي (الزطلة)، إضافة إلى سيارة رباعية الدفع ودراجة نارية ضخمة كانت تُستخدم لتسهيل عملية التنقل وتوزيع المواد المخدرة بعيداً عن أعين الرقابة.
من الطب والرياضيات إلى "عالم الجريمة"
ما نزل كالصاعقة على أهالي الجهة هو الهوية العلمية للموقوفين. فالمتهم الرئيسي ليس سوى شاب حاصل على الأستاذية في الرياضيات، بينما شقيقته خريجة كلية الطب. هذه المفارقة المأساوية طرحت تساؤلات حارقة: كيف تتحول يدٌ مُفترض بها أن تُعالج الأرواح، وعقلٌ مبرمج على المنطق والحساب، إلى أدوات لتدمير الشباب بالسموم؟
اعترافات مريرة: "الشهائد لا تطعم خبزاً"
خلال التحقيقات، لم ينكر الشقيقان التهم المنسوبة إليهما، بل جاءت أقوالهما لتكشف عن وجه آخر للمأساة. بكلمات يملؤها الانكسار، صرح المتهمان بأن "البطالة المطولة" و "انسداد الآفاق" كانا الدافع وراء هذا الانحراف الخطير.
وأكدا في اعترافاتهما: "لقد أفنينا أعمارنا في الدراسة والبحث عن التميز، لكننا وجدنا أنفسنا على هامش الحياة بينما يمر العمر بلا مستقبل. كان البحث عن المال السريع هو الحل الوحيد أمامنا لتعويض سنوات الحرمان، وهو السراب الذي قادنا إلى هنا".
القضاء يواجه "وفاق ترويج المخدرات"
النيابة العمومية، وأمام الأدلة الدامغة والمحجوزات، أذنت بالاحتفاظ بجميع أفراد العائلة (الأم والابن والابنة) على ذمة التحقيق، بتهمة تكوين وفاق لترويج المواد المخدرة. ومن المنتظر أن تمثل هذه "العائلة" أمام العدالة لتواجه مصيراً قد ينهي مسيرتهما العلمية خلف القضبان لسنوات طويلة.
تحليل "موزاييك نيوز": هل تكفي البطالة مبرراً للجريمة؟
تفتح هذه القضية باباً لم يغلق حول هشاشة البناء النفسي والاجتماعي حتى لدى الفئات الأكثر تعليماً. فبينما يرى البعض أن ضغط الواقع الاقتصادي في تونس أصبح "طاحناً" للكفاءات، يرى آخرون أن غياب الوازع الأخلاقي والجري وراء الاستهلاك السريع هو المحرك الأساسي، فلا الشهادة تحمي من الانحراف، ولا الفقر يبرر تدمير حيوات الآخرين بالسموم.
تبقى حادثة بنزرت جرس إنذار يدق في مجتمع باتت فيه "النخبة" تبحث عن خلاصها في قوارب الموت أو في "صفائح الزطلة".
Tags
أخبار